ابن الجوزي
119
كشف المشكل من حديث الصحيحين
تنطعت . وقال عمر : ماذا ترون في جلد قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ، ثم أصبح يوما وقد عزم على جلده ، فقال : ايتوني بسوط ، فجاءه مولاه أسلم بسوط دقيق صغير ، فأخذه عمر وقال : قد أخذتك دقرارة أهلك ، ايتوني بسوط غير هذا . فأمر به فجلد ، فغاضب قدامة عمر ، فحجا ، حتى قفلوا من حجهم ، ونزل عمر بالسقيا ، فنام ، فلما استيقظ . قال عجلوا علي بقدامة ، إني جاءني آت فقال لي : سالم قدامة ؛ فإنه أخوك ( 1 ) . أما قدامة ( 2 ) فإنه أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا وجميع المشاهد مع رسول الله ، ولم يذكر عنه أنه شرب الخمر ، إنما شرب شيئا فأسكره ، فيحتمل أن يكون شرب قليلا من النبيذ متأولا ، فخرج به إلى السكر ، أو شرب ما لا يظنه يسكر فسكر . على أنه قد ذكر في هذا الحديث تأويل له عجيب ، فإنه قال لعمر : لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال : ولم ؟ قال : لأن الله تعالى قال : * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ) * [ المائدة : 93 ] فقال عمر : أخطأت التأويل ، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله . وفي الجملة ، لا ينبغي أن نظن بالصحابة أنهم تعمدوا الحرام أصلا ، وقد روى محمد بن سعد من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب قال : شهد أبو بكرة ، وشبل بن معبد ، ونافع بن الحارث ، وزياد على المغيرة بن شعبة بالحدث الذي كان منه بالبصرة عند عمر ، فضربهم
--> ( 1 ) البخاري ( 4011 ) . ( 2 ) ينظر « الاستيعاب » ( 3 / 248 ) ، و « الإصابة » ( 3 / 219 ) .